لست أنتَ من يُفكر .. الأفكار تحدثُ لك !
كيف تُصنع الأفكار في ادمغتنا ؟
سؤال يراودني في لحظات الصمت .. خصوصاً حين يهدأ كل شئ ويبقى العقل وحده في مواجهة مع نفسه .. سؤال لا يُطرح بدافع الفضول فقط .. بل بدافع القلق .. هل الأفكار التي تدور في أذهاننا نابعة مِنَّا بالفعل ، أم أننا مجرد ساحة تعبرها أفكار لا نملك السيطرة عليها ؟
هل حقاً نحن نفكر ، أم أن التفكير يحدث لنا ؟
تبدو الفكرة كحدث داخلي مفاجئ ، يظهر في الوعي بلا مقدمات واضحة ، فيظن الإنسان أنها نابعة منه وأنه صانعها بالكامل .. لكن العلم لا ينظر إلى الأفكار بوصفها ظواهر غامضة أو اختيارات حرة .. بل يراها ناتجاً لتفاعلات دقيقة بين الدماغ والذاكرة والمشاعر والبيئة الإجتماعية .
الفكرة في هذه الإطار .. ليست بداية .. بل نتيجة .
هذا المقال لا يسعى إلى تفسير ماذا نفكر ، بل يحاول تفكيك السؤال الأعمق .. كيف ولماذا تظهر فكرة في عقولنا في لحظة محددة ؟ وهل يمكن فهم الأفكار دون الوقوع في التفسيرات الفلسفية المجردة أو التصورات الغامضة عن العقل ؟
_ من أين تأتينا هذه الأفكار ؟
تراودنا الفكرة كبرق يضيء عُتمة الوعي فجأة وبلا استئذان .. كثيراً مانظن أننا أصحاب هذه الفكرة ومبتكروها وأن عقولنا تصنعها بتلقائية .. لكن دعنا نتأمل الأمر من منظور علمي قليلاً سندرك أن الحكاية أبعد من ذلك بكثير .. فالفكرة ليست بداية نطلقها .. بل نتيجة نهائية لرحلة طويلة من العمليات المخفية ...
الفكرة كحدث عصبي :
في الحقيقة لا توجد فكرة تسكن في مكانٍ ما داخل عقلنا بانتظار أن نكتشفها .. علم الأعصاب يُخبرنا أن الفكرة هي نمط طاقة في اللحظة التي تلمع فيها فكرة في اذهننا يكون ما حدث فعلياً هو انطلاق لمليارات النبضات الكهربائية عبر المشابك العصبية ( Synapses ) لتشكل شبكة مترابطة لم تكن موجودة قبل ثانية واحدة .. نحن لا ننتج هذه الأفكار .. نحن فقط المسرح الذي تختار هذه الإشارات أن تؤدي عليه رقصتها الأخيرة .
لماذا تأتي الأفكار فجأة ؟
السبب في شعورنا بأن الفكرة تولد بلا مقدمات هو أن الدماغ يعمل بنظام الحوسبة اللاواعية .. أثبتت تقنيات التصوير الوظيفي ( FMRI ) أن مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة البيانات تبدأ في بلورة الفكرة قبل أن تدركها قشرتنا الجبهية ( مركز الوعي ) بثوانٍ .. هذا يعني أن الفكرة تُطبخ في كواليس اللاوعي المظلمة ولا تظهر لنا إلا حين تنضج تماماً فنظن واهمين أنها وليدة اللحظة ...
_ لطالما تساءلت لماذا تأتينا الأفكار العظيمة وأنا أسير في الطريق أو حين أغسل وجهي او حتى قبل النوم ؟
الإجابة تكمن في شبكة الوضع الأفتراضي ( Default Mode Netwrke ) ففي لحظات الإسترخاء يكف العقل عن التركيز المجهد وهنا يبدأ الدماغ في " الخياطة المعرفية " يربط بين ذكرى قديمة ومعلومة قرأتها منذ أعوام وتحدِ اواجهه الآن .. الفكرة الإبداعية هي ببساطة جسر يربطة الدماغ بين جزيرتين متباعدتين من البيانات ...
لا يوجد شيء يأتي من العدم .. في علم الأعصاب كل فكرة هي استجابة لمدخلات حسية سابقة .. نحن لا نُخلق بل نعيد تدوير الواقع .. نأخذ أجزاء مما رأيناه وسمعناه ونعيد تركيبها بآلية الذاكرة الترابطية ..
الأفكار لا تخرج منا بل تنبثق فينا نحن لسنا المصنع .. بل نحن الواجهة التي تُعرض عليها نتائج كيمياء معقدة وصراع مرير بين أنماط عصبية مختلفة .. الفكرة هي الصوت الذي يكسر صمت هذه العمليات الحيوية لتعلن لنا أن الدماغ قد انتهى للتو من حل لغز مافي الخفاء .. ونحن آخر من نعلم .
_ لماذا نَنسى ؟
لطالمت تساءلت " أين تذهب الأفكار التي ننساها ؟ " تلك الفكرة التي بدت وكأنها ستغير مجرى حياتنا قبل ثوانٍ .. تلاشت الآن ولم يتبقَ منها سوى شعور باهت بأننا فكرنا في شيءٍ ما .. هذا التبخر ليس صدفة ! .. بل هو نتيجة لآلية بيولوچية صارمة تُسمى ( الإهمال الانتقائي ) ..
تعيش الفكرة الوليدة في منطقة تُعرف بالذاكرة العاملة ( Working Memory ) وهي تشبه إلى حد كبير " غرفة الإنتظار " في مقدمة الدماغ هذه السبورة محدودة المساحة بشكل مذهل .. فهي لا تستطيع الاحتفاظ بأكثر من 5 إلى 7 عناصر في وقت واحد .. عندما تتدفق فكرة جديدة بينما نحن منشغلون بحديث أو حركة أو حتى صوت عابر يقوم الدماغ بمسح الفكرة القديمة آلياً ليفسح مكاناً للمدخلات الجديدة .. فيما يُعرف ب " التدخل الإحلالي " .
الدماغ هو العضو الأكثر استهلاكاً للطاقة في الجسد ( يستهلك حوالي 20 % من الطاقة رغم صغر حجمه ) .. لذا فهو مبرمج على ألا يبذل جهداً في تشفر ( Encoding ) أي فكرة ما لم يشعر أنها ذات أهمية قصوى ..
إذا لم تقوم بتركيز وعيك بالكامل على الفكرة أو تمنحها شحنة عاطفية أو تربطها بمعلومة سابقة فإن الدماغ يعتبرها " ضجيجاً كيميائياً " ويقطع عنها التغذية الكهربائية .. لتموت في مهدها قبل أن تصل إلى مخازن الذاكرة طويلة الأمد ..
هنا تبرز أهمية الكتابة او التحدث عن الفكرة فوراً حين نكتب نحن لا ننقل كلمات على ورق فحسب .. بل نُجبر الدماغ على تفعيل مسارات عصبية حركية وبصرية وجبهية في آنٍ واحد .. هذا التفعيل المتعدد يعمل كعملية "كي" للمسار العصبي .. مما يجعل الفكرة تتحول من مجرد " سحابة عابرة " من النبضات إلى " بنية فيزيائية " مستقرة في نسيج الدماغ ..
إننا نعيش في حالة تسريب مستمر للأفكار .. فالعقل لا يدون .. هو دلو مثقوب مهما بلغت عبقريته .. إن صيد الإفكار لا يتطلب ذكاءً خارقاً بقدر ما يتطلب سرعة بديهة في تثبيت تلك اللحظة قبل أن يبتلعها ثقب النسيان الأسود .
لماذا نصدق بعض الأفكار ونرفض بعضها الآخر ؟
بعد أن شرحت كيف تولد الفكرة وكيف تُخزن .. يِبرِز سؤال جوهري : لماذا تلمع فكرة معينة في ذهننا وتجعل قلوبنا تخفق بينما تمر آلاف الأفكار الأخرى مرور الكرام ؟
الحقيقة هي أن الأفكار ليست مجرد عمليات منطقية .. بل محملة بشحنات عاطفية هي التي تمنحها الوزن والأهمية ..
في علم الأعصاب .. هنام ارتباط وثيق بين الجهاز الحوفي ( Limbic system ) - المسؤول عن المشاعر - وبين القشرة المخية .. الفكرة التي تنجح في الوصول إلى وعيك غالباً ماتكون فكرة مرتبطة بحاجة عاطفية ملحة .. سواء كانت خوفاً أو رغبة أو سعياً للأمان .. العاطفة هي المغناطيس الذي يجذب الأنتباه العصبي .. فالدماغ لا يمنح الطاقة للأفكار المحايدة .. بل يمنحها للأفكار التي تَعِده بشيءٍ ما ...
تكمن خطورة الأفكار عندما نرى مانريد .. فالدماغ لا يبحث دائماً عن الحقيقة .. بل يبحث عن الراحة ، نحن ننجذب للأفكار التي تتناغم مع معتقداتنا ومشاعرنا السابقة وهو مايُعرف بـ " الانحياز التأكيدي " الفكرة التي تعبر عقولنا وتجد قبولاً فورياً هي في الغالب فكرة صديقة لمشاعرنا .. مما يفسر لماذا يصعب علينا احياناً التفكير في حلول خارج الصندوق ؛ لأن مشاعرنا تحاصر عقولنا في مسارات آمنه ومالوفة ...
الإبداع كـ " شجاعة عصبية " :
لكي تولد فكرة مختلفة يحتاج الدماغ الى كسر الحواجز العاطفية التقليدية .... الأفكار العظيمة غالباً ماتولد في لحظات القلق الإبداعي أو التساؤل الوجودي .. حيث يُجبر العقل على الخروج من منطقة الراحة الكيميائية ليبحث عن مسارات جديدة .. الفكرة في النهاية هي مزيج بين " برد المنطق " و " نار العاطفة " ... المنطق يرسم الطريق ، لكن العاطفة هي التي تدفعنا للمشي فيه ..
نحن مصب الأنهار لا منبعها
في نهاية هذا الإبحار في أعماق العقل .. ندرك أننا لسنا مُلاك الأفكار كما توّهَّمنا .. بل نحم الرعاة لها .. نحن لسنا المنبع الذي تتفجر منه الينابيع ، بل نحن المَصَب الذي تلتقي فيه أنهار الذاكرة .. والمحفزات البيئية والتفاعلات الكيميائية والترسبات العاطفية .
الفكرة هي الصوت الذي يكسر صمت العمليات الحيوية لتعلن لنا أن الدماغ قد انتهى للتو من حل لغز ما في الخفاء ونحن بوعينا المحدود نكون آخر من يعلم لكن .. ورغم أننا لا نملك السيطرة الكاملة على زرع توليد الفكرة إلا أننا نمتلك القوة المطلقة في تبنيها .. فنحن من يختار أي فكرة تستحق أن نسقيها بتركيزنا لتصبح واقعاً وأي فكرة نتركها تنطفئ في عتمة النسيان ..
الآن حان دوري لسؤالك .. في هذه اللحظة .. هل أنت من اخترت قراءة هذا السؤال .. أم أن عقلك قد قرر ذلك نيابةً عنك منذ ثوانٍ وأنت الآن فقط تدرك الأمر ؟
مصادر :
_ أبحاث "علوم الأعصاب المعرفية" عبر منصة Scientific American ..
_ تقارير جامعة Harvard حول الذاكرة العاملة وآليات النسيان ..
_ مقالات "شبكة الوضع الافتراضي" والإبداع في موقع Psychology Today ..
_ سلسلة وثائقيات الدماغ من National Geographic ..



واو! مقال رائع
وما اقدر اجانب على السؤال صرتو ب حيرة