كيف فكك فريدريك نيتشه أوهام الحضارة وصنع من الألم وقوداً للحياة؟
كيف تعيش وتصنع لنفسك هدفاً إذا اكتشفت فجأة أن هذا الكون صامت ولا أحد يكترث لألمك؟ جولة في حياة وعقل الرجل الذي قرر أن يواجه هذا الخوف بمفرده ..
مقدمة ..
جميعنا في مرحلةٍ ما من حياتنا نمر بـ لحظات نشكك فيها بكل مايحيط بنا ، نسأل أنفسنا عن المعايير التي نحدد على أساسها الصواب والخطأ ، وعن تلك القواعد التي فرضها المجتمع وألزمنا باتباعها وكأنها حقائق مطلقة ولا يمكننا الجدال فيها .. في تلك اللحظات تحديدًا نقترب من المساحة الفكرية لرجل قضى حياته بأكملها يطرح هذه الأسئلة بجرأة ، الرجل الذي يُدعى بفيلسوف المطرقة .. فريدريك نيتشه .
هذا الاسم وحده كفيل بأن يستحضر في الأذهان صورة فيلسوف غاضب ، متمرد ، وشخصية هجومية غامضة .. لكن الحقيقة أعمق بكثير من مجرد تمرد ؛ فـ نيتشه ليس مجرد صاحب أفكار صادمة ، بل هو حالة إنسانية وفلسفية فريدة .. بدأت رحلته بتأثر عميق بمن سبقوه وعلى رأسهم " شوبنهاور " ونظرته السوداوية للعالم ، لكنها انتهت بإنتاج فِكر مستقبل واستثنائي ؛ فِكر قلب موازين الأخلاق والعلم واعادة تشكيل نظرتنا للإنسان والمرأة والحياة ذاتها .
ولكي نفهم هذه الأفكار بعمق ، وندرك لماذا لا تزال كلماته موجودة وتثير الجدل حتى يومنا هذا نحتاج إلى التراجع خطوة إلى الوراء .. ليس لفك طلاسم نصوص أكاديمية جافة ، بل لنتتبع رحلة عقل قرر إعادة النظر في كل شيء ولعل البداية الحقيقية لفهم هذا العقل الاستثنائي تكمن في العودة إلى الجذور ، إلى تفاصيل حياته الإنسانية البسيطة التي صاغت كل هذا الفكر ..
الفصل الأول ..
الجذور الأولى .. الطفولة التي صاغت الفيلسوف
في إحدى القرى الهادئة وتحديدًا قرية " روكن " وُلِدَ أحد اهم الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ .. الفيلسوف فريدريك نيتشه ، الذي نشأ في أسرة شديدة التدين ، حيث كان والده الذي يدعى " كارل لودفيج نيتشه " يعمل قسًا في القرية ، وقد عُيّن في هذا المنصب بأمر من الملك " فريدريك ويليام الرابع " احد الملوك بروسيا ..
ملحوظة : لقد اختار والد فريدريك نيتشه هذا الاسم تقديرًا وتيمنًا بالملك البروسي .
عندما أصبح نيتشه في الخامسه من عمره فقط تعرض والده لحادثة سقوط قاسية أدت إلى إصابته بارتجاج حاد ونزيف في المخ وتوفي على إثرها .. وبعد وفاة الأب تُوفي شقيقه الأصغر (وهو لا يزال رضيعًا) ليصبح نيتشه هو الولد الوحيد المتبقي في العائلة .
ونتيجة لهذه الظروف قررت العائلة في عام 1850 مغادرة قرية " روكن " والانتقال للعيش في مدينة " ناومبيرج " ، وهناك قد قضى نيتشه بقية طفولته وسنوات نموه الأولى في منزل غلب عليه الطابع الأنثوي ، حيث عاش محاطًا بـ خمس نساء من عائلته وهنّ ( أمه ، أخته " إليزابيث " ، جدته ، وعمتاه الاثنان) ؛ نيتشه من صغره تميز باختلافه التام عن الباقية من عمره ، فكان طفلاً هادئًا للغاية يميل إلى العزلة ويعشق التأمل والموسيقى وكتابة الشعر كأنه وُلِدَ بعقل ناضج مفكر قبل أوانه .
وحين كان عمره بين 14-20 عامًا تلقى نيتشه تعليمًا كلاسيكيًا صارمًا ، حيث اظهر تفوقًا باهرًا كأحد الطلاب المبرزين والموهوبين وسط زملائه ؛ التحق نيتشه بالجامعة بعد أن أنهى دارسته المدرسية بتفوق ..
ودرس تخصصي اللاهوت (الدراسات الدينية) وفقه اللغة الكلاسيكية (الفيلولوجيا) ، لم تكن السنتان الاوليتان في الجامعه موفقتين إطلاقًا ! حيث شهدت الجامعة خلافًا أكاديميًا حادًا بين استاذيه البروفيسور " اوتو يان " والبروفيسور " فريدريك ريتشل " مما جعل الأجواء مشحونة فقرر نيتشه الابتعاد مؤقتًا عن تعقيدات الدراسة واتجه بكليته نحو تأليف موسيقي ، وكتب مقطوعات موسيقية عديدة للبيانو والكورال ..
بعد أقل من عام على هذه الأحداث نجح نيتشه في إصلاح علاقته مع استاذه " فريدريك ريتشل " ، وعندما انتقل للتدريس في جامعة " لايبزيك " انتقل نيتشه معه ..
وهناك انخرط نيتشه بنشاط في أبحاث ودراسات النصوص القديمة وكتب أول مقال أكاديمي رصين له الذي نال إعجابًا شديدًا من أستاذه " ريتشل " والذي بادر بنشره في مجلته الأكاديمية الخاصة .
_ نقطة التحول الفكري لـ فريدريك نيتشه ..
بالتزامن مع توفقه الأكاديمي بدأت روح التمرد تظهر على نيتشه ، حيث بدأ يشك في كل المسلمات الدينية التي تلقاها في طفولته ، ونمت لديه نزعة نقدية حادة تجاه علم اللاهوت .. وفي تلك الفترة دخل نيتشه إحدى المكتبات ، وبالصدفة وقعت يده على كتاب " العالم كإرادة وتمثل " للفيلسوف " أرثر شوبنهاور " المعروف بـ رائد الفلسفة التشاؤمية ..
بمجرد أن بدأ نيتشه بالقراءة سُحر تمامًا بأسلوب شوبنهاور ، وشعر بأن الكتاب يخاطبه هو شخصيًا في أعماقه ، حيث كتب واصفًا : " كل سطر كان يغني بالتسليم كأنه يخاطبي أنا بالذات " ..
غيّرت أفكار شوبنهاور نظرة نيتشه للوجود كليًا ؛ حيث اقتنع تمامًا بأن الهدف الحقيقي من الحياة ليس البحث عن السعادة (التي رآها وهمًا) ، بل السعي لتجنب الألم وتحمل قسوة الوجود بشجاعة ومواجهتها ..
في هذه الفترة من حياة نيتشه التقى بالموسيقار الألماني الكبير " ريتشارد فاجنر " فانبهر بموهبته الفنية وشخصيته الكاريزمية ونشأت بينهما صداقة قوية تشبه الرابطة العائلية ، ومما عمّق هذه العلاقة هو شغفهم المشترك الذي كان يجمعهما تجاه فلسفة شوبنهاور التشاؤمية .. لكن هذه الصداقة الطويلة لم تدم ؛ فقد حدث بينهما خلاف فكري حاد ، حيث رأى نيتشه أن فاجنر بدأ يتحول نحو التعصب القومي والنزعة " المعادية للسامية " وهذا مارفضه نيتشه تمامًا ، فقرر بأن يقطع علاقته به والابتعاد عنه نهائيًا ..
وفي عام 1870 قرر نيتشه بأن يأخذ اجازة من التزاماته الأكاديمية وتطوع في صفوف الجيش ، ليس كمقاتل ، بل كممرض ضمن فرق الإسعاف لعلاج ومساعدة الجنود الجرحى في جبهات القتال ، وخلال إسعافه وتمريضه للجنود انتقلت إليه عدوى لأمراض خطيرة دمرت صحته تمامًا ، حيث اُصيب بمرض " الدفتيريا " (وهي عدوى بكتيرية حادة تصيب الجهاز التنفسي) ، وأُصيب ايضًا بمرض " الزحار " (الدوسنتاريا ، وهو مرض بكتيري يصيب الأمعاء والقولون) ..
في عمره ال35 عاد نيتشه بعد الحرب إلى عمله كأستاذ في جامعة " بازل " السويسرية ، إلا أن حالته الصحية تدهورت بشدة ولم يكتب له الشفاء ، مما اضطر لتقديم استقالته في الخامسة والثلاثون فقط .
ومن هنا تبدأ رحلته الطويلة كفيلسوف رحالة يعيش بين الجبال والوديان بحثًا عن الحقيقة بعيدًا عن قيود الجامعة ..
الفصل الثاني ..
البطل الخفي .. صدمة شوبنهاور الأولى
لكن قبل أن اتحدث عن نيتشه يجب أن أتحدث عن فلسفة شوبنهاور التي أثرت به ، ف دخول إلى عالم نيتشه دون المرور ب شوبنهاور يشبه قراءة الفصول الأخيرة من رواية دون معرفة بطلها الخفي .. ف فهمنا ل فريدريك نيتشه يعامد على فهمنا ل شوبنهاور الرجل الذي صدم نيتشه بكتاب " العالم كإرادة وتمثل " ..
في كتاب " العالم كإرادة وتمثل "، لا يأخذنا شوبنهاور في نزهة فلسفية هادئة ، هو فقط يصدمنا بمرآة تكشف حقيقة الوجود ..
لقد قسّم شوبنهاور العالم الذي نعيش فيه إلى شقين ، شقيت يمثلان قشرة الواقع وجوهره العميق ..
الشق الأول : العالم كـ تمثل ..
العالم الذي نراه ونلمسه كل يوم ، الأشخاص ، الأشجار ، الشوارع ، واجسادنا .. يسميه شوبنهاور " التمثّل " ، بمعنى أنه ليس العالم في حد ذاته .. بل ها الطريقة التي يظهر بها لعقولنا وحواسنا ، إنه مجرد سينما تعرضها أدمغتنا ، قناع جميل أو مخيف .. لكنه في النهاية مجرد صورة وخداع بصري ، شيء يشبه " حجاب مايا " في الفلسفات الشرقية التي تأثر بها بشدة ؛ أنتَ لا ترى الحقيقة ، أنت فقط ترى نسختك الخاصة عنها .
الشق الثاني : العالم كإراده ..
هنا الحقيقة المرعبة ، إذا نزعنا قناع " التمثل " ، فماذا نجد في العمق ؟ فقط نجد " الإرادة " ، لكن شوبنهاور لا يقصد بها إرادتك العاقلة في اختيارك للملابس أو الطعام .. هو يقصد بها " طاقة عمياء ، دافعًا غريزيًا شرسًا ، وقوة جبارة لا تهدأ ولا تنام " ..
هذه هي الإرادة الكونية التي تدفع النباتات لتنمو وتمزق الصخر ، وهي التي تحرك الحيوان ليفترس ، وهي التي تجعل الإنسان غارقًا في رغبات لا تنتهي .. اي بمعنى يشبع رغبته حتى تولد الأخرى ، مما يجعله عالقًا بين ألم الحرمان وملل الإشباع .
شوبنهاور جعل من هذا التقسيم مفتاحًا لفهم مأساة الإنسان ؛ فنحن لسنا سوى دُمى تحركها خيوط هذه الإرادة ، ونتوهم في عالم التمثل الخارجي بأننا أحرار ومستقرون ..
بعض توضيح القليل من كتاب " العالم كإرادة وتمثل " ننتقل إلى السؤال المهم ..
لماذا أثرت فلسفة شوبنهاور في فريدريك نيتشه ؟
عندما قرأ نيتشه الشاب هذه الفلسلفة لم تكن بالنسبة له مجرد نظريات ، بل وضحت شروخًا نفسية عميقة يعاني منها منذ طفولته مثل :
_ فقدان الأب ..
مثل ماذكرت مسبقًا بأن والد نيتشه توفى وهو في الخامسة من عمره فقط ، كبر نيتشه وهو يعاني من جوع عاطفي ونفسي لشخصية أبوية قوية ، سلطة حازمة ترشده في الحياة ..
عندما قرأ نيتشه ل شوبنهاور شعر أنه وجد أخيرًا ذلك الأب الصارم العبقري الذي لا يكذب ، ويملك الجرأة ليخبره بحقائق الوجود العارية دون خوف ..
_ ذنب التمرد الديني وأزمة الهوية ..
كان نيتشه مُعدًّا من قِبل عائلته ليكون قسًا مثل والده ؛ فدرس الللاهوت إراضاءً لأمه ، لكن شكوكه العقلية جعلته يتمرد ويتخذ قرارًا شجاعًا بترك دراسة الدين ..
هذا القرار سبّب لنيتشه أزمة هوية مرعبة وشعورًا هائلاً بالذنب النفسي ؛ لقد شعر أنه يخذل ذكرى والده المتوفى ، ويحطم قلب أمه ، وأنه بات وحيدًا في هذا الكون بدون عقيدة ولا أرضية صلبة ..
هنا جاء الاستاذ شوبنهاور ليعطيه " الشريعة النفسية " ..
لقد أخبره بأن قلقه وشكوكه في الدين والكون ليست شذوذًا ، بل هي الوعي الحقيقي .. مما رفع عن كاهل نيتشه عبء الإحساس بالخطيئة .
_ تحويل العزلة من عقدة نقص إلى هواية ..
نيتشه في طفولته وشبابه كان انطوائيًا للغاية ، عاجزًا عن الاندماج في صخب زملائه الطلاب في الجامعة ولعبهم السطحي ، وكان يُنظر إليه دائمًا على انه غريب أطوار أو معقد .. كان يخاف من أن تكون عزلته هذه دليلاً على ضعف نفسي أو بداية جنون ..
لكن عندما قرأ تحليلات شوبنهاور التي تقول : " العزلة هي مصير العباقرة " ، وأن الإنسان صاحب العقلية الغنية لا يجد في المجتمع ما يوازيه فيكتفي بذاته .. هذا الطرح أحدث تحولاً سيكولوجيًا داخل نيتشه ؛ فتحولت عزلته في عينيه من " عقدة نقص ومنبوذية " إلى " علامة تميز وعبقرية " ..
_ إعطاء معنى لآلامه الجسدية المزمنة ..
بدأت الأمراض الجسدية تظهر على نيتشه في شبابه المبكر ، فكان يعيش في قلق نفسي متسائلاً : " لماذا أنا بالذات ؟ لماذا هذا الاعتلال والشقاء الجسدي؟ "
ف هنا جاء شوبنهاور بإجابة مريحة جدًا لنفسه : " الحياة في أصلها معاناة ، والألم هو الحقيقة الثابتة " .. عندما اقتنع نيتشه بهذا توقف عن لوم حظه أو الشعور بأنه ضحيه لظلن خاص ، وقد فهم أن عذابه الشخصي هو جزء من عذاب الوجود الذي تفرضه إرادة الحياة ..
لكن انبهار وتأثر فريدريك نيتشه ب فلسفة شوبنهاور لم يدم طويلاّ ..
ف حين تطوع نيتشه كممرض في الحرب الفرنسية البروسية .. هناك وسط جحيم الأشلاء والدماء والجنود المتحضرين ، لاحظ نيتشه شيئًا غريبًا ؛ الجنود الذاهبون للموت لا يتحركون بدافع " غريزة البقاء والتمسك بالحياة والهروب من الألم " (كما يقول شوبنهاور) ، بل يتحركون بدافع شهوة المغامرة ، وإثبات الذاب ، والتفوق ، وفرض القوة .. هنا ولدت في عقله المسودة الأولى لمفهوم " إرادة القوة " ..
وحين تدهورت صحة نيتشه بشكل مرعب ؛ أُصيب بنصف عمى ، وصداع نصفي يجعله يتقيأ لأيام في غرف مظلمة .. مما جعله الاستقالة من الجامعة وعاش يتنقل بين جبال سويسرا ووديان إيطاليا ، هنا وُضعب فلسفة شوبنهاور على المحك .. شوبنهاور (الذي عاش في حياة مرفهة غنية في واقعة من نظر نيتشه) يطلب من نيتشه في كتبه بأن يستسلم للألم وينكر الإرادة ، ويُميت جسده ورغباته .. هنا شعر نيتشه بأن الاستسلام لنصيحة استاذه يعني الانهيار والموت النفسي والجسدي ، من قلب هذا العذاب قرر نيتشه التمرد ؛ وقرر أن العلاج الوحيد لمرضه هو قول "نعم" صارخة للحياة ، وتحويل الألم إلى أداة للتفوق بدلاً من الهروب والزهد ..
ومن هنا انقلب نيتشه على شوبنهاور ، لأن نتائج فلسفة شوبنهاور قادت الى ماسماه نيتشه " العدمية وسيكولوجية العبيد " ، وهي أفكار تدمر الإنسان وتمنع تطوره ..
الفصل الثالث :
قلب الطاولة .. من إرادة الحياة إلى " إرادة القوة " ..
من تلك النقطة بالذات ، من غرف المصحات المظلمة واصوات طلقات جبهات القتال ؛ نيتشه لم يعد يرى في شوبنهاور استاذًا منقذًا ، بل رأى فيه رجلاً يزعم للاستسلام والهروب .. لقد تيقن نيتشه أن الاقتصار على الرغبة في " مجرد البقاء " وتجنب الألم (كما يقول شوبنهاور) هو قمة الانبطاح النفسي ..
هنا ، وفي قلب الصدام مع أستاذه القديم (شوبنهاور) ، وُلِدَ المفهوم الأقوى في فلسفة نيتشه .. مفهوم " إرادة القوة " ، وهو ليس عنوانًا سياسيًا للبطش أو استبعاد الآخرين ، بل هو انتفاضه سيكولوجية وميتافيزقية عاتية تُعيد تعريف المحرك الأساسي لكل ماهو حي على وجه الأرض ..
1. الكائن لا ينشد الراحة .. بل الامتداد ..
في الوقت الذي كان فيه شوبنهاور يرى أن غاية الكائنات هي إشباع رغبة طارئة فقط للعودة إلى حالة السكون والراحة تخلصًا من الألم ، أعلن نيتشه أن المحرك الأساسي للحياة ليس الحفاظ على الذات أو البقاء الآمن .. مثلما قال فريدريك نيتشه : " إن الشيء الحي يريد قبل كل شيء أن يُفسح مجالاً لـ قوته .. الحياة نفسها هي إرادة القوة ، والحفاظ على البقاء ليس سوى واحدة من نتائجها غير المباشرة "
أي بمعنى أن الإنسان في أعمق طبقاته النفسية مستعد للتضحية بأمانه ، وراحته ، وبملذاته المادية والترحيب بالمعاناة المبرحة فقط في سبيل أن يشعر بأنه ينمو ويتطور ويتجاوز نسخته القديمة ، ويفرض بصمته الجوهرية على الوجود .. إرادة القوة هي طاقة صعود دائم بينما إرادة الحياة كما قال شوبنهاور هي حركة تراجع خوفًا من الضربات .
2. الألم لبس غلطة .. بل هو الوقود الوحيد ..
هنا يحدث الشرخ الأكبر بين الاستاذ (شوبنهاور) وتلميذه (نيتشه) ، بالنسبة لـ شوبنهاور الألم هو " شر مطلق " ودليل على بشاعة الوجود ، والحل هو هروب زائد وقمع للرغبات .. أما عند نيتشه فقد تحول الألم تحت مظلة إرادة القوة إلى اداة لصناعة كل ماهو عظيم ..
بما أن الكون محكوم بإرادة القوة فإن المعاناة والصدمات ليست أخطاءً في النظام يجب البكاء عليها ، وإنما هي أدوات صقل ..
الإنسان الذي يملك إرادة قوة عالية لا يطلب تخفيف الأحمال ، بل يطلب ظهرًا أقوى لتحملها .. لكي تلمس اغصان الشجرة السماء يجب أن تملك الشجاعة لتضرب جذورها في أعمق وأظلم نقاط الأرض تمزقًا .
3. التسامي بالغرائز لا إخصاؤها نفسيًا ..
قاد هذا المفهوم نيتشه إلى تفكيك مفهون الزهد ل شوبنهاور ، ف شوبنهاور يطلب قمع الشهوات والغرائز لأنها تجلب الألم ، بالمقابل يرى مفهوم إرادة القوة أن قمع الغرائز هو " أخصاء نفسي " يدمر حيوية الإنسان ؛ القوة الحقيقية ليست في قتل الخيول البرية (الغرائز) بل في التسامي بها ، أي ترويضها وتحويل طاقتها الهائجة لصناعة الفن العظيم .. الفيلسوف ، والفنان ، والمبدع ، هؤلاء هم الذروة القصوى لإرادة القوة لأنهم حكموا أنفسهم وسيطروا على شتاتهم الداخلي ، دون أن يحتاجوا إلى انكار لطبيعتهم البشرية .
ومع هذا الامتلاء الداخلي لم يعد يربط نيتشه بالواقع القديم خيط واحد ، فعندما اختار نيتشه " إرادة القوة " ورفض كلام أستاذة لم يكن يغير رأيه في كتاب ، بل كان يعلن الحرب على العالم كله فجأة ، التفت نيتشه للمنظومة الأخلاقية والدينية التي تربينا عليها لقرون ، والتي تمجد الضعف والمسامحة ، والشفقة ، ورأى أنها مجرد أوهام تخنق الإنسان وتمنعه من الصعود ..
وهنا نصل للمنعطف المرعب في رحلة نيتشه .. إذا كان الألم والقوة هما المحرك الحقيقي للحياة ، وإذا كان كل ماسميناه " فضيلة " هو في الحقيقة ضعف وخوف .. فما الذي سيحدث للإنسان إذا استيقظ فجأة واكتشف أن كل ما اعتبره " خيرًا " لآلاف السنين ليس وهم كبير ، وأن " الشر " الذي يهرب منه هو الوقود الوحيد لعظمته ؟ كيف سيعيش البشر في عالم تكسرت فيه مقاييس الخير والشر وأصبح كل شخص يصنع قانونه الخاص بيده ؟
الفصل الرابع
جريمة القرن الكبرى .. إعلان " موت الإله "
عندما وصلنا مع نيتشه إلى نقطة " إرادة القوة " واكتشفنا أن الألم ليس غلطة بل هو الوقود ، كان هناك سؤال مخيف يلوح في الأفق : إذا كنا نحن من نصنع قوتنا ، فأين تذهب المنظومة الأخلاقية والدينية التي عشنا عليها لقرون ؟
هنا بالذات لم يكن نيتشه يخطط لتغيير قواعد اللعبة فحسب .. وإنما كان يستعد لقلب الطاولة وكسر الجدران واقتلاع السقف الذي يستند إليه العالم بأكمله ، كان يقف على عتبة الإعلان الأجرأ ، الأكثر رعبًا ، والأكثر تعرضًا لسوء الفهم في تاريخ الفلسفة ؛ الإعلان هز أركان الوعي البشري ..
في كتابه الشهير العلم المَرح ، لا يطرح نيتشه فكرته كمعادلة جافة ، بل يأخذنا إلى مشهد سينمائي مرعب وغريب .. يتخيل رجلاً مجنونًا يركض في السوق في النهار والشمس ساطعه في السماء لكنه يحمل بين يديه فانوسًا مشتعلاً ، يركض بهستيريه بين الناس ويصرخ بلا توقف : " أبحث عن الله ، أبحث عن الله " .. الناس في السوق (والذي كان اغلبهم ملحدين والماديين الذين لا يهتمون بالدين) وقفوا ينظروا إليه ويضحكون بسخرية : " يارجل ، هل ضاع كطفل صغير ؟ أم انه تاه في الطريق ؟ أم انه يخاف منا ويختبئ في مكان ما ؟ "
وسط هذه السخرية والضحكات التفت إليهم المجنون ، لم يتراجع ، بل قفز في وسطهم وثبّت نظراته الحادة في عيونهم مباشرةً وصاح بصوتٍ زلزل المكان واسكت الجميع : " أين ذهب الله ؟؟ سأقول لكم .. لقد قتلناه ، أنا وأنتم ! نحن جميعًا قَتَلته ! ولكن كيف فعلنا هذا ؟ كيف استطعنا أن نشرب البحر كله ؟ مَن أعطانا الممسحة لنحوَّل الأفق بأكمله ونمحوه ؟ ماذا فعلنا عندما فككنا هذه الأرض عن شمسها ؟
هناك فخ كبير يقع فيه أغلب من يقرأ لنيتشه ، حيث يظنون أن عبارته الشهيرة هي صرخة انتصار إلحادية فرحة ، أو أنه كان يرقص فوق أنقاض الدين ، لكن الحقيقة السايكولوجية مختلفة تمامًا ، نيتشه كان يصرخ برعب حقيقي ، كان يرتجف وهو يكتب هذه الكلمات .. هو هنا لا يهاجم وإنما يتصرف كـ طبيب نفسي للحضارة ، يمسك بملف المريض ويشخص واقعًا مريرًا فرضه البشر على انفسهم .
لقد التفت نيتشه إلى أوروبا في عصره ، ورأى صعود العلم والآلات والتركيز الأعمى على الماديات والسياسة .. رأى أن الناس في حياتهم اليومية وفي مختبراتهم وتجارتهم ، لم يعودوا يحسبون أي حساب لـ " الله " .. الفكرة ماتت في نفوسهم عمليًا ، لكنهم كانوا يمارسون حياتهم بغباء مفرط وكأن شيئًا لم يكن !! لم يستوعبوا بعد حجم الفراغ المرعب الذي ورطوا أنفسهم فيه ..
الإله في الوعي البشري لآلاف السنين لم يكن مجرد فكرة دينية نؤدي لها الطقوس في الكنائس أو المساجد ، الإله كان هو " المرساة الكونية " ، هو الحضن الدافئ الذي يركض إليه الإنسان عندما تضيق به الدنيا ، هو الوعد الأبدي بأن هناك عدالة ستتحقق في النهاية ، وأن دمعة المظلوم لن تضيع ، هو المصدر المطلق الذي يحدد ماهو " خير " وما هو " شر " .. وبموت هذا المركز في نفوس البشر لم تسقط دور العبادة فحسب ، يل سقط " المعنى " من الوجود كله ، وتُرك الإنسان وحيدًا عاريًا في مواجهة الكون ..
يكمل الرجل المجنون صرخته في السوق لكي يصف التيه النفسي والضياع الذي سيعيشه الإنسان بعد أن فقد هذه المرساة ، فيقول بكلمات تقشعر لها الأبدان : " إلى أين نحن ذاهبون الآن ؟ ألسنا نسقط باستمرار ؟ إلى الخلف وإلى الجانب ، وإلى الأمام في كل اتجاه ؟ هل لا يزال هناك أعلى وأسفل ؟ ألسنا نتيه كما لو كنا في فراغ لا ينتهي ؟ ألا نشعر بأنفاس الفضاء الفارغ ؟ ألم يصبح الطقس أكثر برودة ؟ ألا تلاحظون أن الليل يأتي بإستمرار .. ليل تلو ليل ؟ "
هذا البرد الشديد ، وهذا التيه هو ماسماه نيتشه بـ " العدمية " ..
فقط تخيل أنك تستيقظ فجأة لتجد نفسك تسبح في فضاء مظلم ، بلا جاذبية ، بلا أرض تقف عليها ، وبلا سماء تتطلع إليها .. هذا بالظبط ما حدث للنفس البشرية فجأة ، بموت المصدر المطلق للأخلاق لم يعد هناك صواب مطلق أو خطأ مطلق .. اختفت الغاية من المعاناة والألم ، فإذا كنت تتألم في حياتك ، لم يعد هناك صواب ينتظرك ليعوضك ولا حكمة إلهية تفسر لماذا حدث لك هذا فجأة ، أصبح كل شيء مباحًا ومتاحًا في نفس الوقت وأصبح كل شيء تافهًا بلا أي قيمة .
*المخرج الوحيد أن نتحول إلى خالقين*
تنبأ نيتشه بأن البشرية بعد هذه الصدمة ستنقسم إلى قسمين ..
القسم الأول سينهار في وحل الاكتئاب والإحباط ويستسلم لـ " العدمية السلبية " ويعتبر أن الحياة مجرد كذبة ولا داعي للمحاولة ، والقسم الثاني (وهو الأغبى في نظر نيتشه) سيبحث عن بدائل رخيصة ومؤقته ليملأ بها الفراغ ، كأن يقدس العلم أو الدولة أو المال ويعاملها كآلهة جديدة ..
لكن نيتشه ومن خلال مفهوم " إرادة القوة " الروحية التي تولدت داخله رفض الانهيار ورفض البدائل المزيفة ، رأى أن المخرج الوحيد لكي لا يبتلعنا هذا الفراغ الكوني ، ولكي نكون جديرين بالجريمة العظمى التي ارتكبناها هو أن يرتفع الإنسان فوق ضعفه الحالي ..
يقول نيتشه : " ألا يجب علينا نحن أنفسنا نتحول إلى آلهة لمجرد أن تبدو جديرين بهذه الجريمة ؟ "
إذا كان السقف قد سقط ، وإذا كانت السماء قد صمتت ولم يعد هناك قوانين جاهزة تعلمنا كيف نعيش ، فعلى الإنسان أن يملك الشجاعة الجبارة ليقف على قدمية وسط هذا العدم ، ويصنع قيم حياته وأهدافه ومعنى وجوده بنفسه ، ومن نقطة الصفر ..
لكي نكفر عن دماء المعنى القديم ، يجب أن نتحول نحن إلى " خالقين " للمعنى ..
ولكن لنكن واقعيين وصادقيين مع أنفسنا .. هل كل إنسان يملك هذه القدرة المرعبة ؟ هل يستطيع أي شخص العيش في عالم بلا قوانين جاهزه ، يقف وحده في الفراغ ويصنع قِيَمه الخاصة دون أن ينهار أو يفقد عقله من الثقل والمسؤولية ؟
هنا تحديدًا انقسمت البشرية في عيني نيتشه إلى معسكرين لا يمكن أن يلتقيا ، معسكر يضم الأغلبية التي ستخاف من الحرية وتختار الأمان والراحة ، ومعسكر آخر يضم قلة نادرة من الأقوياء الذين سيصعدون فوق الألم ليصنعوا قيمهم الخاصة .
الفصل الخامس
عندما عجز العلم عن إنقاذ الأخلاق ..
بعد الكارثة النفسية التي عاشها الوعي البشري بسقوط السقف الكوني والمعنى القديم ، وجد الإنسان نفسه وحيدًا فجأة في هذا الكون بدون مرساة ولا أب روحي في السماء يحميه .. أُصيب العالم بحالة من الذعر والهلع وشعرت البشرية باليتم الفكري فجأة ، وفي وسط هذا التيه والبرد التفت الجميع نحو بريق يلمع في الأفق .. بريق " العلم " ..
خرج العلماء والمفكرون الماديون في أواخر القرن التاسع عشر ووقفوا على منابرهم وقالوا للبشرية الخائفة : " لا تقلقوا ، ولا تبكوا على أطلال الماضي إذا كان الإله قد غاب ، فإن المعامل والمختبرات هي منقذنا الجديد ، العلم سيعطينا الحقيقة العارية ، والأرقام والمعادلات ستبني لنا مجتمعًا مثاليًا وتضع لنا أخلاقًا جديدة مبنية على العقل والمنطق ، لا على الخوف من الغيب "
في تلك اللحظة تنفسوا البشر وشعروا بالراحة وظنوا أنهم وجدوا أخيرًا " الإله البديل " الذي سينير عتمة طريقهم ، لكن نيتشه بنظرته الثاقبة مشى وسط زحام المصفقين ، وبدلاً من أن يبارك لهذه الفرحة ، وضع جيوبه وصدم الجميع بالحقيقة التي لم يجرؤ أحد على نطقها : العلم أداة عبقرية لتفكيك الأشياء وتفسيرها ، لكنه أعمى تمامًا وعاجز عندما يتعلق الأمر بصناعة المعنى والأخلاق ..
أول ما التفت نيتشه بعبقريته السايكولوجية هو أن البشر في حقيقتهم لم يتغيروا ، هم فقط قاموا بتغيير ملابسهم وأقنعتهم .. الإنسان بطبيعته يخاف من الفراغ والمسؤولية الكاملة عن حياته ، ولذلك عندما ماتت الفكرة القديمة في قلبه لم يتحمل العيش بلا " سلطة عليا " ترشده .. فماذا فعل ؟ قام ببساطة بنقل غريزة التقديس من الكنيسة إلى المختبر .
تحول العالِم الذي يرتدي الرداء الأبيض إلى " كاهن جديد " يملك مفاتيح الحقيقة المطلقة ، وأصبحت النظريات والورقات البحثية هي النصوص المقدسة الجديدة التي لا يجوز الشك فيها أو مراجعتها .. صرخ نيتشه في وجه هذا الوهم موضحًا أن العلم دون روح فكرية هو مجرد خادم أعمى ؛ العلم يستطيع أن يخبر المرء بدقة شديدة كيف تسقط التفاحة ، وكيف تنقسم الخلايا وكيف يتفاعل الدوبامين والسيروتونين في خلايا الدماع ، لكنه عاجز تامًا عن الإجابة على السؤال الإنساني الأبسط : " لماذا نعيش من الأساس ؟ وما الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش ؟ "
العلم يصف " ماهو كائن " لكنه لا يملك غرامًا واحدًا من المشاعر ليخبرنا " بما يجب أن يكون " ، هو يمنح الكيميائي المعادلة لصناعة القنبلة ، لكنه يقف صامتًا باردًا ، وبلا ضمير ليقول له هل من الأخلاق أن يبيد بها مدنًا كاملة أم لا ، العلم يفكك الجسد إلى خلايا لكنه لا يستطيع أن يشرح للشخص معنى الحب ، أو التضحية ، أو لماذا يرتجف قلمه وهو يكتب رسالة وداع .
من أين تأتي طيبتنا ؟
من هذه النقطة قرر نيتشه أن يخلع ثياب الفيلسوف / المفكر ويرتدي قفازات جراح نفسي يبحث في أعمق طيات النفس البشرية .. في كتابه المثير للجدل أصل الأخلاق وفصلها لم يسأل نيتشه الأسئلة المعتادة مثل : " ماهو الخير ؟ " بل سأل سؤالاً ذكيًا جدًا : " من أين جاءت هذه الأخلاق ؟ وماهي النية الحقيقية وغير الواعية للشخص الذي يدعي أنه طيّب ومثالي ؟ "
هنا فجر نيتشه مفاجأة سيكولوجية صدمت الوعي البشري ؛ حيث اثبت أن الكثير مما يُسمى في الحياة اليومية " تضحية ، طيبة ، تسامح ، سلام " ليس نابعًا من قوة الروح أو النبل والترفع .. وإنما هو في حقيقته قناع يداري الخوف والعجز والضغينة المبطنة ..
لتوضيح هذا بطريقة قريبة من الواقع .. تخيل شخصًا ضعيفًا جدًا يتعرض للإهانة أو الظلم كل يوم ، لكنه جبان ولا يملك القوة الجسدية أو النفسية للمواجهة وأخذ حقه .. هذا الشخص لكي يحمي كبرياءه أمام مرآة نفسه ولكي لا يشعر بالخزي يقوم بلعبة نفسيه غير واعية ، يُقنع نفسه بأن عدم رده للإساءة ليس " جبنًا " ، بل هو " تسامح وفضيلة ترفع " وأن فقره وعجزه ليس قلة حيلة ، بل هو " زهد وطهارة ونقاء النفس " ..
لقد حوّل هذا الإنسان عيوبه ونقاط ضعفه إلى ميداليات أخلاقية يتباهى بها ، ومن خلالها يبدأ بمحاكمة الأقوياء والمغامرين ، والذين يملكون الشجاعة لفرض شروطهم على الحياة ، فيصفهم بأنهم " أشرار قساة القلوب " .. الأخلاق السائدة في المجتمع (في نظر نيتشه) أصبحت مجرد حيلة يستعملها " القطيع الضعيف " لقص اجنحة الصقور حتى يتساوى الجميع في القاع تحت شعارات جذابة مثل المساواة والشفقة .
الكون ليس وجه واحد
المعركة الأخيرة ل نيتشه في هذا المحور كانت ضد أدعاء العلم بأنه يرى " الحقيقة المطلقة والموضوعية " ؛ العلماء دائمًا ما يرددون : " نحن محايدون تمامًا ، ونحن ننظر للكون كما هو دون أي تحيز "
ابتسم نيتشه وقال لهم : لا توجد نظرة من لا مكان ..
كل كائن حي ، حتى العالِم هو ينظر عبر مجهره في المختبر ، يرى الكون من خلاب زاوية محددة تخدم نموه وبقاءة وقوته ، وهذا ماسماه نيتشه بـ " المنظورية " .. لا توجد حقيقة واحدة ثابتة ومطلقة يتفق عليها الجميع ، بل هناك تفسيرات لا حصر لها للواقع ، الحقيقة ليست تمثالاً ذهبيًا مدفونًا تحت الأرض نذهب لنكتشفه ، بل هي قماش الإنسان هو من يقصه ويشكله ويمنحه المعنى والقيمة بناءً على مقدار " إرادة القوة " والامتلاء الروحي الذي يمتلكه في أعماقه ..
إذا كان الإله قد غاب وانفرط عقده ، وإذا كان العلم عاجزًا عن إعطاء الإنسان خريطة الروح أو تبرير أوجاعه ، وإذا كانت الفضائل التي يتغنى بها البشر مجرد حيلة نفسيه يختبئ وراءها الضعفاء خوفًا من المواجهة ، فإلى أين المسير الآن ؟ وكيف الخروج من هذا المأزق الذي يبدو بلا مخرج ؟
لذا وهنا تحديدًا قرر نيتشه أن يمسك بمطرقته ليعيد ترتيب البشر أنفسهم ، وبما أن الأخلاق الحالية تخنق الإنسان المتفوق ، فقد قرر أن يقسم النفوس إلى قسمين واضحين كالشمس .. فما حكاية " أخلاق السادة " و " أخلاق العبيد "؟ ومن هم هؤلاء الذين يملكون الحق حقًا في صناعة قيمهم الخاصة والوقوف فوق الهاوية دون خوف ؟
الفصل السادس
صراع السادة والعبيد في معبد الأخلاق ..
بعد أن تكسرت مقاييس المعنى القديم ، واكتشف البشر أن العلم لا يملك إجابات لأسئلة الروح ظهر سؤال حتمي : من أين جاءت القوانين الأخلاقية التي تحركنا اليوم كبديهيات ؟
لم يحاول نيتشه اختراع نظرية من خياله ، بل بحث في النفس البشرية عبر التاريخ ليقول حقيقة قد تعتبر صادمة للبعض : الأخلاق الاي نعيش بها ليست حقيقة واحدة ثابته ، بل هي نتاج صراع صامت بين نفسيتين مختلفتين تمامًا .. أخلاق السادة ، وأخلاق العبيد .
في المجتمعات القديمة كان السيد هو الإنسان الممتلئ بالصحة والحيوية الشديدة ، هذا الشخص لا يبني قيمته على مقارنه نفسه بالآخرين وإنما ينظر إلى داخله فيرى شجاعته ونبله وقدرته على تحمل الصعاب ، فيطلق على هذه الصفات لفظ " الخير " ، أما الشخص الخائف المتردد الذي يقضي حياته هربًا من المواجهات فكان يعتبره ببساطة شخصًا رديئًا أو غير مكتمل ، دون أن يحمل له كراهية أو حقد ، الخير عند السادة ينبع من الرغبة في التطور والصعود والترحيب بالحياة بكل معاناتها دون شكوى .
على الجانب الآخر تمامًا نشأت نفسية " العبد " أو الإنسان العاجز الذي يتعرض لضربات الحياة دون القدرة على ردها ، ولأن النفس لا تحتمل شعور العجز طويلاً تولدت داخل هذه الفئة طاقة مكبوتة من الحقد والغل تجاه الأقوياء ، ولأنهم عاجزون عن الانتقام في الواقع ، قاموا بقلب معاني الكلمات سيكولوجيًا ليعيدوا صياغة العالم لحمياتهم .
نظر العاجز إلى القوي الجريء واعتبره " شريرًا " ثم التفت إلى مرآة نفسه واستنتج : " بما أن القوي الشرير وبما أنني نقيضه تمامًا ، فأنا هو الخير " ، في هذه اللحظة تحول الخوف من المواجهة إلى " مسامحة وترفع " وتحول العجز وقلة الحيلة إلى زهد وتواضع وصار عدم القدرة على أخذ الحق يسمى " صبرًا طيبًا " لقد نجحت هذه النفسية في تأسيس " أخلاق القطيع " بهدف قص أجنحة المتميزين ، حتى يتساوى الجميع في القاع ويشعر الضعفاء بالأمان ...
هذا الصراع ليس مجرد تاريخ قديم ، بل هو معركة نفسية تدور في عقل وقلب كل شخص منا اليوم ، ففي كل مرة يختار فيها المرء دور الضحية وينتظر شفقة العالم ، أو يقلل من نجاح المتميزين ليرضي نقصه ، فهو واقع تحت احتلال نفسية العبيد .. وفي كل مرة يرفض فيها الشكوى ، ويتحمل مسؤولية أخطائه ويخوض مغامرته بشروطه الخاصة دون الاكتراث برأي القطيع ، فهو يطلق العنان لنفسية السادة النابضة بالحياة في أعماقه .
إذا كان هذا الانقسام يمزق الروح البشرية من الداخل ، فكيف يمكن للإنسان أن ينجو ؟ كيف يتحرر من قيود اخلاق القطيع دون أن يسقط في القسوة العمياء ؟
هنا يبشر نيتشه بظهور كائن جديد يملك الشجاعة ليمشي على الحبل المشدود فوق الهاوية ، ويخلق معناه الخاص وسط العاصفة .
الفصل السابع ..
بعد أن تاهت الروح البشرية في دروب التاريخ واكتشف زيف الوعود الأخلاقية التي بناها القطيع لحماية ضعفه ، أصبح السؤال الخانق هو : كيف المخرج ؟ إذا كان العالم القديم قد انهار ، والعالم الحديث غارق في التزييف والتباكي ، فكيف يعيش الإنسان دون أن ينكسر كعبد أو يتحول إلى وحش أعمى ؟
هنا تحديدًا يلتفت نيتشه نحو الأفق وبدلاً من أن يعطي خريطة طريق أو قوانين جديدة ، يطلق نبوءته الأجمل والأكثر مهابة في فلسفته ، إنه يبشر بولادة كائن جديد تمامًا .. كائن يخرج من رحم المعاناة الإنسانية ذاتها ليصنع خلاصه الفردي بيدع وهو ماسماه " الإنسان المتفوق " ..
لكي يقرب نيتشه هذه الفكرة إلى الأذهان ، رسم لنا صورة مجازية عميقة في كتابه " هكذا تكلم زاردشت " يتخيل مجموعة من الناس مجتمعين في ساحة السوق يشاهدون بهلع وإعجاب رجلاً يمشي على حبل مشدود معلق في الهواء بين برجين عاليين وتحته هاوية سحيقة ومظلمة ..
هذا الحبل المعلق (في نظر نيتشه) هو رحلة الوجود الإنساني ذاتها ؛ الإنسان ليس غاية في حد ذاته ، وليس. مخلوقًا كاملاً ومستقرًا ، بل هو جسر معبر خطر يمتد بين الحيوانية البدائية وبين الإنسان المتفوق ..
المشي على هذا الحبل يتطلب شجاعة مرعبة لأن كل خطوة هي مجازفة ، والالفتات إلى الخلف رعب ، والتوقف في المنتصف موت .. الإنسان العادي يقضي حياته واقفًا على الأرض في أمان زائف داخل قطيعه أما الإنسان المتفوق فهو الذي يملك الجسارة ليغادر الأرض الصلبة ويمشي فوق هاوية " العدم " والشك ، متحملاً مسؤولية توازنه بمفرده دون أن يستند على أحد ...
لكن هذا التحول لا يحدث في رمشة عين ، وإنما هو مخاض نفسي عسير .. شبهه نيتشه بثلاثة أطوار تمر بها الروح البشرية لتصل إلى ذروتها :
1. طول الجمل : هنا تبدأ الروح رحلتها برغبة عارمة في تحمل الأثقال ، الروح كالجمل المطيع تنوخ على ركبتيها في الصحراء لتُحمل بأثقال الواجبات ، التقاليد ، الأوامر ، والقيم الجاهزة التي وضعها المجتمع .. الجمل يطيع ويتحمل المشقة دون شكوى ، معتقدًا أن هذا هو منتهى الفضيلة .
2. طور الأسد : عندما يتوغل الجمل في أعماق صحرائه العقلية ، يحدث هنا التحول الكبير .. يستيقظ الجمل ليرفض الأحمال ويتحول إلى أسد ؛ أسد يريد الحرية ، ويريد أن يكون سيدًا في صحرائه .. هنا يلتقي بالتنين الأكبر الذي يقف في طريقه ، والتنين اسمه " يجب عليك " (تمثيل لسلطة المجتمع والدين والتقاليد) .. فيصرخ الأسد في وجه التنين بصرخته الكبرى : " أنا أريد " محطمًا كل القيم القديمة التي كانت تقيد حريته .
3. طور الطفل : لكن الأسد برغم قوته يستطيع فقط أن يهدم ويقول " لا " ، لكي يبدأ البناء الحقيقي يجب أن يتحول الأسد في النهاية إلى طفل .. لماذا الطفل بالذات ؟ لأن الطفل يمثل البراءة ، والنسيان ، والبداية الجديدة واللعب .. الطفل لا يحمل ضغينة للماضي بل ينظر إلى الوجود كصفحة بيضاء ويملك القدرة على خلق ألعابه (قيمه ومعاني حياته) من الصفر ببهجة تامة .
الإنسان المتفوق ليس بطلاً خارقًا يملك عضلات مفتولة ، بل هو إنسان يملك سيادة كاملة على نفسه ، هو الشخص الذي استطاع أن يمر بمحاكمة أفكاره وتخلص من عقدة الضحية ، ووقف في هذا الكون الصامت ليقول : " أنا من سيعطي لحياتي معنى ، وأنا من يحدد صوابي وخطئي " ..
أعظم تجسيد لهذا الإنسان عند نيتشه هو قدرته على الوقوف وسط العواطف .. الإنسان المتفوق لا يشتكي من قسوة الأيام ، بل يمارس فلسفة " حب القدر " ؛ إنه لا يتمنى أن يكون أي شيء في حياته مختلفًا وإنما يحب معاناته وأخطاءه ودروسه القاسية ويعتبرها كلها خيوطًا ضرورية لنسج لوحة مجده الفردي ، إنه يقف فوق الهاوية ، ليس لكي يسقط .. بل ليقف فوق عجز العالم ..
ولكن إذا كان هذا الإنسان المتفوق قد استطاع أن يتجاوز ثقل الوجود ويصنع قِيَمه كطفل يلهو في كون واسع ، فكيف ينظر إلى القوة الأقرب إليه في هذا العالم ؟ كيف يتفاعل هذا العقل الجبار مع الكائن الأكثر غموضًا وتقلبًا وسحرًا في الطبيعة ؟
هنا ينقلنا نيتشه إلى معركته الأخيرة ، المعركة التي تسببت في اتهامه بالعداء والقسوة ، بينما كانت في عمقها السايكولوجي اعترافًا مذهلاً بالخوف والجاذبية .. فما هو لغز " المرأة " في عيون نيتشه ؟ وكيف رأى في تقلباتها وجهًا آخر للحياة ذاتها ؟
الفصل الثامن ..
لغز المرأة .. الوجه الآخر للحياة في عيون نيتشه ..
ربما لا توجد فكرة في فلسفة نيتشه تعرضت لظلم السطحية وإساءة الفهم مثل نظرته إلى المرأة ، فالقارئ العابر لكتاباته سيصطدم حتمًا بعبارات هجومية لاذعة وقاسية لعل أشهرها جملته في كتاب زرادشت : " إذا ذهبت إلى المرأة فلا تنسَ السوط " ، هذا الهجوم جعل الكثيرين يصنفونه كـ عدو للمرأة ، لكن عند النبش وراء هذه الأقنعه بوعي سايكولوجي يتضح أن المسألة لم تكن مجرد كراهية عابرة ، بل كانت مزيجًا معقدًا من الخوف والانجذاب الروحي والصدمات العاطفية التي شكلت فكره من البداية والنهاية ..
لكي نفكك هذا اللغز يجب أن نتبع خيوط حياته ونفسيته منذ طفولته لنرى كيف تحولت المرأة في عينيه من قيد خانق إلى جرح عاطفي نازف ، ثم اخيرًا .. إلى رمز للحياة نفسها ..
طفولة وسط النساء .. النظرة الأولى ..
لم تكن النظرة الأولى لنيتشه وليدة تأمل فلسفي ، وإنما كانت نتاج بيئة خانقة عاشها في صغره بعد وفاة والده وهو في سن الخامسة ترعرع نيتشه في بيت لا يضم سواه من الذكور ، عاش محاطًا بخمس نساء ...
كانت هذه البيئة النسائية المتشددة تمارس عليه رقابة تربوية صارمة ووصاية خانقة باسم " الخوف والعطف " ، هذا الاهتمام المفرط والمقيد لروحه المتمردة خلق لديه في سن مبكر رد فعل دفاعي حيث بدأ يربط سيكولوجيًا بين المرأة وبين القيود والمحافظة على التقاليد والتسمك بأخلاق القطيع ، كان يرى في هذا الإفراط العاطفي محاولة غير واعية لقص أجنحة طموحه وفكره الحر ، ومن هنا ولدت نبرته الهجومية الأولى كنوع من التمرد على بيئته الأسرية ..
صدمة " لو سالومي " اللحظة التي غيرت كل شيء ..
إذا كانت طفولة نيتشه زرعت الشك ، فإن مرحلة الشباب قد فتحت الجرح الأعمق في حياة نيتشه من خلال قصة حب وحيدة وصادمه غيَّرت مساره الفكري تمامًا ؛ قصة فتاة روسية عبقرية ومتمردة تُدعى " لو سالومي " ..
كان نيتشه في أواخر الثلاثينات من عمره عندما ألتقى بـ " سالومي " وكانت فتاة في أوائل العشرينات تملك ذكاءً حادًا وفهمًا عميقًا للفلسفة أذهل نيتشه ، لأول مرة في حياته وجد امرأة لا تمثل القيود الاجتماعية ، بل تمثل الفكر الحر والتمرد الجريء الذي يبحث عنه ..
احبها نيتشه حبًا جمًا ورأى فيها العقل الوحيد القادر على فهم أغوار روحه ، لدرجة أنه تقدم لخطبتها مرتين ..
لكن "سالومي" التي كانت تقدس حريتها الفردية وترفض أن تكون ملكًا لأحد رفضت عرضه واختارت أن تبقى صديقة فكرية له ولصديقه المقرب " بول ري " .. أنتهت هذه العلاقة بصدمة نفسية هائلة لنيتشه خاصةً بعد تدخل أمه وأخته " إليزابيث " لإفساد العلاقة بشتى الطرق بسبب غيرتهما الشديدة ...
هذه الصدمة ترفت نيتشه وحيدًا تمامًا في مواجهة مرضه وضياعه ، وأنعكست فورًا على كتاباته اللاحقة ...
العبارات الأكثر قسوة وهجومًا ضد النساء كُتبت في الفترات التي تلت هذه القطيعة ؛ حيث كان يكتب بنفَس رجل مجروح سيكولوجيًا يحاول الهجوم على المرأة دفاعًا عن نفسه وليثبت لنفسه أنه أقوى من أن تحطمه امرأة ..
لكن وبالرغم من الألم والجرح لم يتوقف عقل نيتشه عند حدود الانتقام الشخصي ، بل حدث تحول في اواخر سنوات نتاجه الفكري ، حيث ارتفعت نظرته للمرأة من مستوى الشخوص إلى مستوى " الرمز الميتافيزيقي " ..
في مقدمة كتابه الشهير ماوراء الخير والشر ، يفتتح نيتشه النص بسؤال يقلب الطاولة على الفلسفة التقليدية : " لنفترض أن الحقيقة امرأة ، ألا يحق لنا الشك في أن كل الفلاسفة كانوا دُعاة فاشلين في التعامل معها ؟ "
هنا تحدد التحول الكبير ، نيتشه بدأ يرى أن المرأة بطبيعتها المتقلبة ، الغامضة ، المليئة بالعمق والخطورة والجمال هي التجسيد الأقرب لـ الحياة ذاتها ..
الحياة عنده ليست معادلة رياضية يمكن حلها ، وإنما هي لغز متقلب لا يُفهم بالمنطق البارد تمامًا كالمرأة ؛ بل إن هجومه على " الحركات النسوية " في عصره لم يكن عداءً لتمكين المرأة بل كان نابعًا من خوفه عليها ، كان يرى أن محاولة مساواة المرأة بالرجل في القوالب الوظيفية والمادية هي حيلة من حيل " مجتمع القطيع " لتجريد المرأة من سحرها الخاص ، وغموضها وقوتها الفريدة التي تلهم الأقوياء ، كان يريد للمرأة أن تظل صخرة صلبة ولغزًا لا يُقهر ومحفزًا يدفع " الإنسان المتفوق " لتجاوز ذاته وصعود الهاوية .
الخاتمة ..
نهاية الرحلة في عقل المطرقة هكذا تنتهي جولة المرء في عقة نيتشه ؛ الفيلسوف الذي مشى بمطرقته يحطم أصنام الوعي البشري واحدًا تلو الآخر ، من صدمة الهاوية الروحية ، إلى عجز العلم وصولاً إلى بزوغ الإنسان المتفوق الذي يقف فوق لغز الحياة والمرأة ..
لكن قبل أن نغلق هذه الصفحة معًا يهمني جدًا أن أقول لك أمرًا ..
إن طرقي لباب هذه الأفكار وغوصي في أطروحات نيتشه حول الدين والإله التي تحمل طابعًا الحاديًا قليلاً لا يعني ابدًا أنني متفقه معه أو متبنيه لآرائه ..
الفلسفة تشبه السير في معمل تجارب ، نحن نفكك الأفكار لنفهمها ونواجهها لا لنؤمن بها ، ولم يكن هدفي أن أروح لعقيدته بل لندرك معًا كيف شخَّص هذا الرجل أمراض حضارتنا ، وكيف أراد أن يستفز فينا الشجاعة لنكن مسؤولين عن صناعة ذواتنا .. في النهاية نيتشه طرق لنا مطرقته ولسنا ملزمين بتبني نيرانه (معتقداته) ، بل نحن احرار تمامًا في أن نأخذ منها مايبني عقولنًا ونترك مادون ذلك ، لنخوض عواصف هذا الوجود بوعي أعمق ونفس أكثر حرية واتساعًا .
اعذروني ان كان في اخطاء إملائية .





كنت أظنه عالم ولكن حين قرأت كيف أنه يذكر أن لاوجود للآلهة وكيفأنه يظن أن الاشخاص الذين يجدون بدائل اغبياء توقفت عن القراءة...
—ليس لأن المقال لم يعجبني بلى أعجبني محتواه الكتابة وكيف أخذتينا لبداية الحكاية وأنما محتوى المقال
وأنما لأن بدأت أرى أنه 'غبي' ولا يستحق أن أضيع وقتي بالأهتمام له وبدأت أشعر بأنه حثالة، بالبداية كنت أوافقه الرأي حول أن لانبحث عن السعادة وأنما علينا الابتعاد عن الخطر او شيء كهذا وافقته ولكن لم الان جعل الامر صعب !!
أعجز عن فهم أمثاله 🙏🏻!..
جميل.